دولة المواطَنة وأعداؤها: مأزق الإسلام السياسي وسُبل تخطيه

45.00 د.إ

محمد الحدّاد

التصنيف: الوسوم:

الوصف

يدرس الأكاديمي التونسي محمد الحدّاد تجربة إندونيسيا، التي استطاعت أن تجد طريقة لضبط المسألة الدينية عبر النظام المعروف بـــ«بانتشاسيلا» (Pancasila)، ثم عبر إرساء إسلام محلي خلصها -إلى حد كبير- من مغبة الوقوع تحت الإسلاموية، والتشيع التثويري، والهندوسية القومية، بالرغم من أنها جاورت كل هذه الاتجاهات وتعرضت لجاذبيتها. حيث تمثل إندونيسيا حالة قصوى، لكنها مع ذلك حالة أنموذجية ومتكررة لا تختلف نوعيًا عن كل البلدان الإسلامية الأخرى وعلى رأسها البلدان العربية، وربما أيضًا في كل البلدان التي كان يطلق عليها في الستينيات بلدان العالم الثالث. وما يصح بشأنها يصح على الآخرين، ويتطلب ذلك الإقرار مجموعة من الافتراضات:

أولاً: الاستعمار ليس سبب مآسي المجتمعات العربية، قد يكون عطّل تطورها الطبيعي، لكنه من جهة أخرى ساعد أيضًا على أن يحصل هذا التطور بأكثر سرعة.

ثانيًا: لم تقدم البشرية حديثًا تجربة أخرى ناجحة لتنظيم الدولة غير أنموذج الدولة الوطنية القائمة على حدود معلومة، وشعب محدد بالولادة أو التجنيس وليس بالدين أو المذهب، وقوانين مدنية جامعة بصرف النظر عن الاختلافات الدينية والمذهبية للمواطنين. كل التجارب الأخرى آلت إلى الفشل الذريع (الفاشية، النازية، الشيوعية، الوحدوية، الدولة الدينية).

ثالثًا: كل عناصر الدولة الحديثة هي حديثة: المواطنة ليست صورة من مبدأ الأخوة الدينية الذي كان سائدًا في القديم. والحدود ظاهرة حديثة، أما في الماضي فكان العالم مفتوحًا وكانت الحدود تتحدد بالانتماء الديني.

إن مفهوم «الدولة العالقة»، هو البديل عن كل هذه المفاهيم التي تهاوت منذ الثورات العربية، وهو يدافع ببساطة عن الفكرة التالية: مشكلة الدولة هي في ضمان شرعيتها. حيث تنقسم شرعية الدولة إلى ثلاثة أصناف، حسب التقسيم المشهور الذي وضعه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (Max Weber) (1864-1920): الشرعية الكاريزمية، والشرعية التقليدية، والشرعية العقلانية:

  • الشرعية الأولى هي التي أسندت الدولة مباشرة بعد التحرّر من الاستعمار، وارتبطت بزعماء التحرر الوطني الذين حظوا بمقبولية واسعة لدى الشعوب، بسبب أدوارهم القيادية في هذا التحرر، وقد انتهت هذه الفترة بوفاتهم، وانتهت معها الشرعية القائمة عليها.
     
  • أما الشرعية التقليدية، فكانت قد انهارت قبل ذلك مع دخول الاستعمار، إذ تبين أنها غير قادرة على مواجهته، فلم تعد مقبولة كشرعية بسبب هذا الفشل ولأسباب أخرى كثيرة، منها أن المجتمع قد انفتح بضغط الاستعمار على ثقافة جديدة، قائمة على العلم وحقوق الإنسان، وتحرر المرأة وحرية التعبير، ولم يعد قابلًا للتقليد الذي يستند إلى الاتباع والتكرار.
     
  • تبقى الشرعية العقلانية المتمثلة في الأنموذج الوحيد الناجح في العصر الحديث، وهو نموذج الدولة الوطنية، فإما الانخراط فيه أو رفضه. لكن هناك موقف ثالث هو الأخطر وهو التحايل عليه، بالخلط بين المواطنة والأخوّة الدينية، بين القانون المدني والشريعة، بين الأمن الوطني والجهاد، بين الانتخاب والبيعة، بين الضريبة والصدقة، بين الوطن والطائفة، بين التاريخ والذاكرة، بين الحزب السياسي والجماعة العقائدية، بين الانتماء المدني والانتماء الإيماني، والقائمة طويلة.

يخلص الباحث إلى أن عملية تحديد المفاهيم وتمييزها عن بعضها البعض ليست ترفًا فكريًا، بل هي شرط العقلنة التي تمثل مصدر الشرعية للدولة الحديثة. وفي غياب ذلك تظل دولة عالقة بين أن تكون دولة مواطنة أو تكون قائمة على شعارات «ما فوق وطنية»: القومية الوحدوية أو الخلافة الإسلامية أو ولاية الفقيه، تحجب ولاءات «ما تحت وطنية»: القبيلة والجهة والعرق والجماعة والطائفة. ويرى أن نظرية الدولة العالقة تقدم جوابًا على سؤال: لماذا قوي الإسلام السياسي؟ لأنه أكبر المستفيدين من هذا الخلط مع أنه ليس الوحيد الذي رسخه. والخروج من وضع الدولة العالقة وما تنتجه من علل، ومنها علة الإسلام السياسي، يطلب حسم مسألة الشرعية التي ينبغي أن تكون شرعية عقلانية خالصة، أي إن الدولة ينبغي أن تستمد شرعيتها من القدرة على تسيير الشأن العام بما يضمن مصالح الجميع على قدم المساواة، ويجعل الحكم على السياسات العامة مستندا فقط على معيار تحقيق المصلحة.

يختتم الباحث دراسته عن نظرية منافسة نشأت هي أيضًا بعد الحركات الاحتجاجية العربية، يطلق عليها «نظرية إعادة تأهيل التقليد». فإعادة تأهيل التقليد هي خطة من الخطط المطروحة للمسارعة بإخماد الحريق، كما أن إعادة تأهيل التقليد موقف له مشروعيته الفكرية، ذلك أن الفكر العربي الحديث أي الفكر الذي بدأ مع الحركات الإصلاحية في القرن التاسع عشر كان قاسيًا في حكمه على التقليد، لأنه كان يظن أن التخلص منه سيعطي إصلاحًا دينيًا (من وجهة نظر الإصلاحيين) أو حداثة وعلمانية (من وجهة نظر العلمانيين). لكنه في النهاية أعطى الإخوان المسلمين والقاعدة وداعش. لكن إعادة تأهيل التقليد، بالمعنيين المطروحين هنا، ليست بديلاً، وإنما هي فقط خطة موقتة وظرفية.